المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التفسير بالمأثور


دموع العين
2006/04/29, 07:41 PM
التدبر والتفسير بالراي :
ومـن خـلال هذا الفهم للتفسير والخلفية الذهنية التي يجب ان يتمتع بهاالمفسر , يمكن ان نميز بين الـتـفسير الصحيح الذي يعتمد على القرآن الكريم والسنة النبوية الذي يمكن ان نطلق عليه اسم (( عملية التدبر )) , وبين التفسير الباطل الذي يطلق عليه اسم (( التفسير بالراي )).
وهـذا الـموضوع من القضايا ذات البعد التاريخي الذي يرجع الى عهدالرسول 9 , فقد ورد عنه 9 النهي عن التفسير بالراي , فعنه 9 :
(( من فسر القرآن برايه فليتبوا مقعده من النار )) ((27)) .
ولعل الاية الكريمة : ( فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاالفتنة ) ((28)) تشير الـى احـد مـصـاديـق هذا النوع من التفسير ايضا , اضافة الى عدد كبير من الاحاديث الواردة عن المعصوم 7 والمروية من طرق الفريقين والتي تدل على هذا المعنى ((29)) .
ومـن اجـل تـوضـيـح المقصود من التفسير بالراي الذي يعتبر امرا مهما ,يحسن بنا ان نبحث هذا الموضوع .
احتمالات التفسير بالراي :
هـنـاك احـتـمالات ثلاثة في معنى ( التفسير بالراي ) الذي يكون موضوعالذاك النهي الوارد عن الـمـعـصـوم 7 في روايات متواترة في مضمونها ( بالتواترالاجمالي ) لا بد من تمحيصها , وهذه الاحتمالات الثلاثة هي :
الاول : ان المراد من التفسير بالراي هو ان يفسر الانسان النص القرآني اعتمادا على رايه وذوقه الشخصي في مقابل الفهم العام للقرآن المتمثل بالظهورالعرفي والذي يعتمد على القرائن السابقة .
وتوضيح ذلك ان علما الاصول يذكرون ان ظهور الكلام يمكن ان يكون على نحوين :
1 ـ الظهور النوعي :
وهـو ان يـكـون ظـهور الكلام ظهورا قائما لدى العرف العام ويفهمه ( نوع الناس )وعامتهم على اساس القواعد العامة للغة واساليب الخطاب .
2 ـ الظهور الشخصي :
وهـو الـفهم الذي يختص به شخص ما من الناس والذي يعتمد عادة على الظروف الذهنية والنفسية والـذوقية لذاك الانسان , حيث تجعله تحت تاثيرات معينة بحيث يفهم من الكلام معنى خاصا لا يفهمه غيره من الناس .
وهذا النحو من الفهم للقرآن الكريم ـ وهو الفهم الشخصي له والمعتمدعلى الظهور الشخصي لدى الـمـفـسـر ـ هو تفسير للقرآن بالراي وهو التفسير المنهي عنه , مثل تفسير المتصوفة او بعض اصـحـاب الـعـقـائد الفاسدة الذين لهم ذهنيات ومصطلحات خاصة تكونت ضمن ثقافتهم , ويفسرون القرآن على اساس تلك التصورات والمصطلحات .
وهـذا الـنـحـو مـن الـتـفسير يختلف تماما عن فهم القرآن وتفسيره اعتماداعلى الخلفية الذهنية والـعـقـائدية الصحيحة للمفسر , لان هذا التفسير تفسير معتمدعلى راي شخصي ووفق ظروف الشخص واوضاعه , واما ذاك فهو راي وفهم للقرآن الكريم بقرينة العقيدة الصحيحة الماخوذة من القرآن ذاته كما ذكرنا سابقا.
الثاني : ان يكون النهي الوارد على لسان الرسول 9 عن التفسيربالراي هو كمعالجة لظاهرة برزت فـي زمـن الرسول 9 في تفسير القرآن وبشكل محدد , ثم تطورت وبشكل واسع حتى تكونت على اساسها مدارس في المجتمع الاسلامي .
حـيـث ورد الـنهي آنذاك عن البحث في تفسير الايات العقائدية او التاريخية تاثرا بالديانات السابقة وفـلـسفاتها وتاريخها , كاليهودية والنصرانية والبوذية وغيرها , الامر الذي ادى الى ابتعاد بعض المسلمين عن المفاهيم القرآنية .
ونـتيجة لذلك , فقد حاول بعض المسلمين الاوائل ان يفرضوا مثل هذه الارا على القرآن ويفسروه بـهـا عـلى خلاف مضمونه ومعناه الصحيح متاثرين في ذلك بالمتبنيات الذهنية والفكرية والعقائدية المسبقة على القرآن :
( وقد كان فريق منهم يسمعون كلام اللّه ثم يحرفونه ) ((30)) .
( يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ) ((31)) .
ولا شك ان هذا النوع من التفسير يختلف عن تفسير القرآن على اساس العقائد المستنبطة من القرآن نفسه .
الـثالث : وهو المعنى الذي ينسجم مع معنى ( الراي ) في ( مدرسة الراي )في الفقه الاسلامي ففي الفقه الاسلامي يوجد اتجاهان في ( الاستنباط ) :
احـدهـمـا : الاتـجـاه الذي يعتمد في الاستنباط وفهم الحكم الشرعي على القرآن وسنة المعصوم 7 ((32)) باعتبارهما المصدرين الاساسيين , واليهما يرجع ( العقل ) و ( الاجماع ) ايضا.
ثانيهما : اعتماد الفقيه في استنباط الحكم الشرعي اذا لم يجد نصا يدل عليه في الكتاب والسنة على ( الاجـتـهـاد ) و ( الراي ) بدلا من النص , و( الاجتهاد ) هنا يعني الراي الشخصي للفقيه , مثل القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها.
وحينئذ يكون ( الاجتهاد ) دليلا من ادلة الفقه ومصدرا من مصادره اضافة الى الكتاب والسنة .
وقـد نـادت بـهـذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرة في الفقه السني , وقامت منذاواسط القرن الثاني مـدرسـة فقهية كبيرة كانت تحمل اسم مدرسة (( الراي والاجتهاد )) , حيث انه لم يصح لدى ابي حنيفة صاحب هذه المدرسة الا عددمحدود من الاحاديث , قيل : انها دون العشرين .
وقد انتقد ائمة اهل البيت : هذه المدرسة واتجاهها انتقادا شديدا.
وقـد يـشكل هذا الانتقاد الشديد للائمة : قرينة على ان المراد من ( التفسير بالراي ) المنهي عنه هـو ( الراي ) في هذه المدرسة باعتبار ا نها تشكل اتجاها خطيرا في الفقه الاسلامي لا من ناحية الـنتائج التي انتهت اليها فقهيا فقط ,وانما باعتبار الاتجاه والطريق الخاطئ الذي انتهجته في عملية الاسـتـنـبـاط والمعتمدبالاساس على القياس والاستحسان والمصالح المرسلة والظنون وما اشبه ذلـك مـن قـضـايـا مرجعها الى الراي , وتنتهي في نهاية المطاف الى انحراف خطير في فهم القرآن والسنة ((33)) .

دموع العين
2006/04/29, 07:42 PM
وعـلـى هذا الاساس كان النقد الذي وجهه اهل البيت : الى هذا الاتجاه اكبر من نقد المذاهب الفقهية الاخرى والتي لم تلتزم بهذا الطريق الخطير في عملية الاستنباط , وان كانت نتائجها غير صحيحة ايضا.
وحينئذ قد يراد من التفسير بالراي هذا النوع من الراي وهو : الاعتماد في فهم المضامين القرآنية على الذوق والاستحسان , فيرى ان هذا النوع من المضمون هو الاقرب الى النفس اكثر من غيره .
وفـرق هـذا الراي عن الراي الاول هو ان الحالة الذاتية كان لها دور في فهم ( تفسير اللفظ ) في الـراي الاول , بـيـنما كان لها دور في فهم و ( تفسير المعنى ,وتشخيص المصداق ) بنا على هذا الراي .
وعـلى هذا الاساس نعرف الموقف من بعض المحاولات التفسيرية الحديثة ,حيث نجد ان كثيرا من الـمفسرين وقع في خطا حينما فسروا بعض مفاهيم القرآن متا ثرين بكثير من القضايا في الحضارة الـغربية التي انشات في انفسهم استحسانات معينة , ففسروا آية الشورى مثلا تفسيرا يجعل مفهوم الشورى في الاسلام مطابقا لمفهوم ( الديمقراطية ) : الانتخابات البرلمانية الغربية وهكذا.
ان هذا النوع من الاستحسان والقياس والاعتماد على الجانب الشخصي في تفسير ( المعنى ) هو في الـواقـع مـن تفسير القرآن بالراي , ومن ثم يكون واقعافي طريق النهي الوارد بخصوص التفسير بالراي .
الفرق بين التدبر والتفسير بالراي :
وهـذا الاحـتمال الثالث لا يكون متضاربا مع ما ذكرناه من صحة تفسيرالقرآن اعتمادا على الخلفية الـعـقـائدية الصحيحة , لان هذه العملية ليست عملية استحسان وقياس او ميولا وظنونا شخصية , وانما هي تصورات عقائدية ماخوذة من القرآن الكريم ومفاهيمه .
وقد حاول بعض الاتجاهات التفسيرية ان يعطي لقضية ( التفسير بالراي )ومفهوم ( الراي ) دائرة اوسـع , بـحـيـث تشمل كل جهد يمارسه الانسان الباحث والمفسر العالم في فهمه للقرآن الكريم , ويفترض بان هذه النتائج هي ( راي ) لا نه انتهى اليه من خلال جهده ونظره ومن ثم يكون مصداقا لذلك الحديث :
(( من فسر القرآن برايه فقد هوى )).
وبهذه الطريقة يحاول هذا ( البعض ) ان يعطل البحث في القرآن الكريم وتفسيره , ويقول بان الشي الـوحـيـد الـذي يـمـكـن الاعـتماد عليه في تفسير القرآن الكريم انما هو النصوص الواردة عن المعصومين :
وقد استند هذا الاتجاه على بعض النصوص المروية عن اهل البيت :والتي حاول ان يفهمها اصحاب هـذا الاتـجاه على ا نها تمنع من ممارسة التفسير ما لم يعتمد على النصوص الواردة عن المعصومين : ((34)) .
ولـعـل مـن الاثـار الـتي تركها وجود هذا النوع من التفكير في مدرسة اهل البيت : هو عدم تطور حـركـة الـتـفـسير في هذه المدرسة تطورا يناسب التطورات المهمة في المجالات الاخرى لهذه الـمدرسة المعطاة ذات المستوى العالي , والذي يمكن ملاحظته من خلال ما وصلت اليه بحوث علم الـفـقـه والـحـديـث والاصـول والكلام فيها , بل بقي التفسير فيها مواكبا للحركة العامة للتفسير لدى المسلمين .
الا ان هـذا الـفهم للتفسير بالراي فهم خاطئ , وهناك مجموعة من الادلة والبراهين تشير الى عدم صحته , كما ان هناك طريقين يمكن اتباعهما لاثبات ذلك , وهما :
اولا : الـبحث في الروايات والنصوص الواردة في موضوع التفسير بالراي تفصيلا , حيث نتوصل من خلال ذلك الى ان ما ذكر فيها لا ينطبق على هذاالمفهوم الواسع المذكور للتفسير بالراي , وهذا البحث نؤجله الى بحث المحكم والمتشابه في الابحاث التفسيرية .

دموع العين
2006/04/29, 07:42 PM
ثانيا : الرجوع الى مجموعة القرائن والادلة والشواهد الموجودة في الكتاب والسنة الشريفة , مما لا يمكن ان ينسجم مع افتراض ان يكون ( الراي ) المقصودبهذه الروايات هو هذا المعنى ( الواسع ) الـشامل لحالة الجهد الشخصي الذي يتخذمسيرا صحيحا , وينتهي الى راي تفسيري معين , حتى وان لم يكن هذا التفسيرمرتبطا بالرواية عن المعصومين : , ومن هذه القرائن والادلة ما يلي :
الدليل الاول :
ما ورد من الايات القرآنية المؤكدة ان القرآن الكريم قد نزل بلسان عربي مبين ,وا نه نور وهدى للعالمين , وا نه فيه تبيان كل شي , كقوله تعالى :
( لسان الذي يلحدون اليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين ) ((35)) .
( قد جاكم من اللّه نور وكتاب مبين ) ((36)) .
( وكذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشا من عبادنا وانك لتهدي الى صراط مستقيم ) ((37)) .
( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) ((38)) .
( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شي ) ((39)) .
فـان هـذه الايـات وآيات كثيرة وان جات بالسنة ومضامين متعددة ولكنها كلها تصب في مصب واحد وهـو : ان الـقـرآن الـكريم وبحسب طبيعته يمكن ان يتفاعل معه الانسان العادي , ويشكل القرآن حـينئذ مصدر الهداية ويكون تبيانا لكل شي , مما يدل على امكانية فهم الكثير من المضامين والمعاني والـهداية والنور الموجود فيه وبشكل مباشر , ولا يكون هذا الفهم من التفسير بالراي حتى اذا كان بـدون الاسـتناد الى رواية او حديث معين , وانما نتيجة لجهد الانسان الشخصي من خلال مراجعته لمجموعة المعلومات والقرائن المتوفرة عنده .
وتـاكيد القرآن ا نه ( لسان عربي مبين ) يؤكد هذه الحقيقة , اذ ان هذه الابانة لا يمكن ان تفترض في كتاب لا يمكن فهمه الا بالرجوع الى الروايات الموجودة في كتب الحديث , لان الابانة حينئذ لا تـكـون ـ فـي الـواقع ـ ابانة للقرآن الكريم بل للاحاديث , وهي التي ستكون ( المبين ) وهذا هو خلاف الافتراض في ان القرآن بنفسه فيه حالة الابانة والتوضيح والهداية .
خـصـوصـا وان هذه الابانة احيانا تنسب الى النص القرآني من قبيل قوله تعالى : ( لسان عربي ) , واللسان يعبر عن حالة النص والجانب المرتبط باللفظلا الجانب المرتبط بالمضمون .
ولـذا فـلا مـجـال لادعـا ان هذا المضمون القرآني لا نفهمه الا من خلال الروايات عن الائمة : , وحينئذ يكون مبينا بعد فهمه من خلال الروايات .
نـعـم تـكـون هذه الروايات شارحة ومفسرة للقرآن ولا بد من الرجوع اليهاعند وجودها وتوفر الـشـروط الـموضوعية الصحيحة فيها , وعند فقدانها يمكن الاعتماد على النص القرآني مباشرة لفهمه وتفسيره .
الدليل الثاني :
وهو ما ورد في آيات الحث على التدبر والتامل , وفهم القرآن واخذ معانيه والاهتدا بهديه , كقوله تعالى :
( افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها ) ((40)) .
( كتاب ا نزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر اولوا الالباب ) ((41)) .
( ا فلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافاكثيرا ) ((42)) .
وهـذه الايـات تـخـتـلف من حيث المضمون عن تلك الايات التي تشير الى وجود النور والهدى في القرآن الكريم , وذلك لاحتوائها على امر المسلمين بالتدبروالتفكر في معاني ومفاهيم القرآن .
ومثل هذه الاوامر تكون اوامر لا فائدة منها لو فرضنا بان القرآن الكريم لا يمكن ان يفهم مباشرة الا بـالاسـتـعـانـة بالروايات والاحاديث الشريفة ,خصوصا وان هذه الروايات لم تات الا في عصور متاخرة .
الدليل الثالث :
الروايات المتواترة عن الائمة : والتي وردت في مرجعية القرآن للروايات وطلب عرض اخبارهم وكـذلـك الـشـروط الـتي تشترط في ( العقود ) و( المعاملات ) على القرآن من اجل معرفة ان مضمون هذا الشرط او الخبر هل هومنسجم مع الشريعة ام لا ؟, فعن الصادق 7 :
(( ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف )) ((43)) .
وعنه 7 :
(( الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة , ان على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا , فما وافق كتاب اللّه فخذوه وما خالف كتاب اللّه فدعوه )) ((44)) .
(( وكل شرط خالف كتاب اللّه فهو رد )) ((45)) .
(( فاذا كان شرط يخالف كتاب اللّه فهو رد الى كتاب اللّه عز وجل )) ((46)) .
بحيث جعلوا : القرآن الكريم ميزانا وفرقانا لمعرفة الشرط الصحيح من غيره والاخبار الصحيحة مضمونا من غيرها.
وهذا لا يمكن ان يتم الا بافتراض امكانية فهم النص القرآني والتفاعل معه بشكل مباشر , وافتراض صحة هذا التعامل والنتائج التي يتوصل اليها حتى وان احتيج في هذا الى اعمال نظر وبذل جهد , كما ان فـي هـذا الامر دلالة على ان الروايات نفسها تحتاج الى ان يؤيد النص القرآني مضامينها , فكيف يمكن حصرطريق فهم النص القرآني بها فقط ؟ وهذا الامر من الامور الواضحة جدا عند مدرسة اهل البيت : , بل عند المسلمين جميعا.

دموع العين
2006/04/29, 07:43 PM
الدليل الرابع :
هـو الـسيرة الواضحة والمتواترة للائمة : في تعليمهم المسلمين في ان ياخذوامن القرآن الكريم مباشرة .
فقد ورد في كثير من احاديث الائمة : استشهادهم على الاحكام التي يصدرونها بية قرآنية , مما يدل على امكانية فهم هذا الحكم وبشكل مباشر من الاية القرآنية , اذ لو كان النص القرآني مغلقا لما كان لهذا الاستشهاد معنى ولكان على الامام 7 ان يقول : انا افهم من الاية هكذا.
فقد ورد عن الامام 7 مثلا :
(( يعرف هذا واشباهه من كتاب اللّه ( هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ((47)) .
فقد استشهد الامام 7 بهذه الاية في مقام استنباط حكم شرعي من قاعدة كلية وهي قاعدة ( لا حرج ).
وقد علم الامام 7 السائل كيف يستنبط هذا ( الحكم ) من تلك ( القاعدة ) الكلية .
وهـذا مـعـناه ان هذه الاية المباركة : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ,يمكن ان يفهمها هذا الانسان وبشكل مباشر , مما يدل على صحة فهم المعنى من النص القرآني مباشرة , وان اعتمد على جهد الباحث .
وخـلاصـة الـقـول : ان ( الـتـفسير بالراي ) المنهي عنه قد يشتمل على احدالاحتمالات الثلاثة الـمذكورة سابقا , وليس لهذا علاقة بقضية التدبر في القرآن وفهم معانيه والتي تؤدي بالانسان الى الـهـداية والى الصراط المستقيم ((48)) , الامرالذي امر القرآن الكريم نفسه بهذا التدبر , كما قراناه في الايات السابقة .
.
المقدمة الثالثة
.
في شروط المفسر
المقصود من شروط المفسر هي المواصفات الروحية والنفسية والاخلاقية والعلمية التي يجب ان يتصف بها المفسر الذي يتناول تفسير القرآن الكريم .
وسـوف نـتناول هنا خصوص الخلفية العلمية للمفسر , ونقصد بهذا ما يجب ان يتصف به المفسر من مـجـمـوعة العلوم المرتبطة بعلم التفسير والتي يعتمد عليهافي استنباط المعنى من خلال القرآن , وبتعبير آخر ما يمكن ان نسميه ايضابوسائل الاثبات .
.
الخلفية الروحية
امـا مـا يـتعلق بالخلفية النفسية والروحية التي يجب ان يتصف بها المفسرفانها امر اخلاقي , وهذا الامـر وان كـان امرا له تاثير مهم جدا في فهم القرآن الكريم الا انه غير ملموس , ولذا لم نذكره كشي مستقل .
فـان الـحالة الروحية الاخلاقية كالتقوى والورع وحالة الطهارة والاخلاص في التعامل مع النص الـقـرآنـي لها تاثير كبير في عملية فهم القرآن , لان الانسان مهما كانت لديه من قدرات ومعلومات يـبقى محدودا ومعرضا للخطا اماعندما تكون عنده حالة التقوى والاخلاص والطهارة والنقا اضافة الى ذلك ,فانه يكون في موضع التاييد والرعاية الالهية , ومن ثم يكون في موقع التوفيق في الوصول الـى الـحق والرشد , ولذلك ورد الامر الى النبي ذاته 9 لكي يدعو اللّه تعالى في ان يزيده علما : ( وقل رب زدني علما ) ((49)) .
وذلك بلحاظ فهم القرآن الكريم وتلقيه , كما ورد تاكيد هذا المعنى الاخلاقي في القرآن الكريم في مثل قوله تعالى : ( لا يمسه الا المطهرون ) ((50)) .
.
الخلفية العلمية
. وامـا مـا يـتعلق بالخلفية العلمية او شروط المفسر , فقد ذكر العلما جملة من العلوم لا بد ان يكون المفسر عالما بها بالحد المناسب لعملية التفسير من ناحية الكم او الاقتران او التقدم .
ويـمـكـننا ان نجمل هذه الشروط العلمية بامور ثلاثة اساسية , بحيث يكون لكل امر ملاك وسبب مستقل وهذا الملاك هو الشرط الحقيقي الذي يشترط في المفسر :
1 ـ علوم اللغة العربية :
الاول : مـا يـتعلق بعلوم اللغة العربية , وملاكه هو ان القرآن الكريم نص عربي وقد جا وفق نظام اللغة العربية .
وحينئذ , فان كل ما يرتبط بنظام اللغة العربية يكون له دور واثر في فهم القرآن وتفسيره .
ومـن عـلوم اللغة العربية التي تذكر في هذا الصدد علوم : النحو , والصرف ,والمعاني , والبديع , والبيان , واللغة .
والـحد الذي يجب ان يتوفر للمفسر من هذه العلوم هو الحد الذي يتناسب مع القرآن الكريم ونصه , لان الـمـعـلـومات التي تكون غير مرتبطة بالنص القرآني مع اشتقاقاتها وتفرعاتها الغريبة عن ذلك النص امور غير مهمة وغير لازمة للمفسر.
2 ـ علوم القرآن :
الثاني : ما يتعلق بعلوم القرآن الكريم , وملاكها هو ان البحث في هذه العلوم بحث في القرائن الحالية او المقالية ( الداخلية او الخارجية ) والتي تؤثر في فهم القرآن ومعرفة مضمونه .
فيجب على هذا ان يكون للمفسر معرفة وفهم لتفاصيل علوم القرآن ,ولكن بالحد الذي يكون متناسبا مع فهم النص القرآني وتفسيره .
كـل ذلـك لان الـقرآن الكريم وكما هو معروف قد نزل باسلوب خاص وبشكل تدريجي , ولذا فان بعضه قد جعل قرينة على بعضه الاخر يفسره ويحل مشكله .
ولذا لا يمكن ان يعرف القرآن بشكل كامل الا اذا عرفت تلك الخصائص والقرائن المحيطة به والتي يكون بعضها مؤثرا في بعضها الاخر.
ومن هذه القرائن والملابسات ما يكون داخليا ومنها ما يكون خارجيا.
فـمـن القرائن الخارجية مثلا ( اسباب النزول ) المرتبطة بتلك الاحداث التي اثارت نزول آية من آيـات الـقـرآن الـكـريـم , كـالغزوات والاشاعات والحالات النفسية والسياسية التي كان يعيشها المسلمون والاستفسارات المهمة , او اي امرآخر يواجهه المسلمون .
هذه الاحداث التي كانت مثارا لنزول القرآن يكون شانها شان اي قرينة ( حالية ) تحيط باي كلام , لان فهم الكلام عرفا يتا ثر بقرائن الحال والمقال المحيطة به .
وقد تكون علوم القرآن من قبيل القرائن الداخلية كعلم ( المحكم والمتشابه ) , فان الايات المحكمة تشكل قرائن على فهم الايات المتشابهة .
وقـد ذكـر الـقـرآن اولـئك الاشـخاص الذين ياخذون المتشابهات ويتركون المحكمات ووصفهم بالانحراف وعدم القدرة على فهم القرآن الكريم فهماصحيحا :
( هو الذي ا نزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخرمتشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغا الفتنة ) ((51)) .
ومـن قـبـيل علم ( الناسخ والمنسوخ ) وعلم ( المطلق والمقيد ) و ( الخاص والعام ) و ( المكي والمدني ) وعلم ( القراات ).
3 ـ علوم الشريعة :
الـثـالـث : مـا يـتعلق بعلوم الشريعة , من قبيل علم الاصول والفقه والرجال والدراية , حيث يرتبط بمعرفة وسائل الاثبات بهذه العلوم .
ان مـمارسة عملية التفسير تجعل الباحث وجها لوجه امام جملة من القضايالا بد من اثباتها , وحينئذ يمكن ان تدخل بعض بحوث علوم الشريعة هذه كوسائل اثبات في هذه الدراسات .
فـالنص القرآني وان كان متواترا وثابتا لدينا , الا ان كشف المعنى القرآني عن طريق ظهوره ليس كشفا قطعيا , بل هو كشف ظني , ولا بد من اثبات حجية هذا الظن من خلال البحوث المتعلقة بـ (( حجية الظهور )) في علم الاصول .
كـمـا ان هناك مسالة هي موضوع للبحث في علم الاصول , وهي هل يمكن تخصيص القرآن الكريم بالسنة النبوية الصحيحة ؟ مخصصات النصوص القرآنية المعينة ان وجدت .
وكذلك على مستوى البحث في وسائل الاثبات , اذا قلنا بامكان هذا النوع من التخصيص , فهناك بحث في ا نه هل يمكن اثبات هذا النوع من التخصيص عن طريق ( خبر الواحد ) ؟ او لا بد من ( تواتر الخبر ) المخصص للقرآن الكريم باعتبار ان القرآن الكريم متواتر ولا بد ان يكون مخصصه بنفس الـمـستوى من الاثبات بحيث يكون متواترا وقطعيا ؟ وحينئذ ننتقل الى بحث من بحوث علم الاصول وهكذا.
ومـثـل ذلك ما يتعلق بابحاث ( اسباب النزول ) فاذا كان لمعرفة اسباب النزول تاثير في فهم النص القرآني فاننا نحتاج حينئذ الى اثبات اسباب النزول وتعرف وسائل اثباتها.
وامـا مـا يـتـعـلق بمستوى المعرفة في علوم الشريعة وكذلك الزمان الذي لا بدان تتوفر فيه هذه المعرفة فان الكلام فيه هو ما قلناه بالنسبة الى الموردين السابقين .
دور العلوم التجريبية في تفسير القرآن :
وقـد يـقـال هـنـا : بـاشتراط اطلاع المفسر على حد معين من العلوم التجريبية قبل ان يبدا بعمله التفسيري او يقارنه , وذلك باعتبار تناول القرآن الكريم لمجموعة من القضايا الطبيعية التي يتوقف فهمها على هذا الاطلاع .
وفـي الـواقـع لا ضـرورة لاشـتراط ذلك في المفسر, باعتبار ان القرآن الكريم عندما تناول هذه القضايا الطبيعية تناولها على اساس ا نها ظواهر يدركهاالانسان ويلاحظها بحسه , ومن خلالها اريد لـه الانتقال والاستدلال على بعض القضايا والحقائق العقائدية كوجود اللّه والمعاد وغيرها , وذلك لان الهدف الاساس للقرآن الكريم ليس هو تناول هذه العلوم وبحثها والسعي لان يتكامل الانسان فيها , بـل ترك امرها للانسان نفسه يبحث فيها ويتكامل ان شا من خلال التجربة , وذلك بخلاف ( الدين ) والـشريعة الذي ارتبط امره بالسما , ولايمكن للانسان ان يتكامل فيه من خلال التجربة , بل لا بد من الوحي الالهي فيه .
وعـلـى هـذا الاسـاس فان العلوم والمعارف الطبيعية التي تحتاج الى تجربة وفن وجهد لا تحتاجها عملية التفسير ولا تكون مكملة لها ((52)) .
بل يمكن ان نضيف هنا : ان الخلفية التجريبية العلمية باعتبارها خلفية ناقصة دائما فانها لا تصل الى حد اليقين القطعي ـ الا بشكل محدود ـ الذي لايكون هناك مجال لاحتمال خلافه اطلاقا , ومن هنا نـجـد التجديد والتغيير في النظريات العلمية التجريبية بسبب ان وسائل الاثبات فيها غالبا ما تكون ناقصة .
وعـلى هذا فانه من غير الصحيح ان تحمل هذه الخلفية الناقصة على فهم القرآن الكريم وتفسيره , وذلـك لان الـقـرآن الـكريم مصدره الغيب الالهي , واللّه مطلع على كل الحقائق وبدون اي احتمال للخطا , وتبقى التجربة معرضة للخطالا نه مهما روعيت فيها مسائل الدقة والضبط والاحتراز فانه قـد يـبـقـى فيها جانب ناقص كما اشرنا , ومن ثم فانه قد يكون للغيب معنى لم تتوصل اليه التجربة في الظاهر لنقصانها , فاذا اريد تفسيره في ضؤ نتائجها المحدودة نقع في الخطاوالاشتباه .
عـلـى ان الـتجربة يمكن ان تفتح لنا آفاقا في فهم النص القرآني من حيث تعدد المصداق وتشخيص المعنى , وتطرح امامنا احتمالات جديدة ولكن لا يمكن ان تعطينا القطع والجزم بالمعنى القرآني من خلال رؤيتها.

هايم الليل
2006/04/29, 07:54 PM
مشكووور خوي على هالموضوع والمجهووود الرائع
فدمت بكل خير

قمر 14
2006/04/30, 10:23 PM
تسلم أخوي على الموضوع المفيد

عيون اللواتيا
2006/05/01, 03:18 PM
تسلم اخوي على الموضوع الجميل ..

والرائع ..

والمفيد ....

عطر مسقط
2006/05/01, 03:26 PM
موضوع اكثر من رائع ومفيد

تشكر عزيزي على المجهود الرائع منك

نرجو منك التواصل الدائم معنا

•°™مستر مخفـﮱ
2006/05/09, 10:14 AM
يسلمووووو على الموضوع


وأتمنى لكم التوفيق



تحياتي مخفي ..